إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 30 نوفمبر، 2011

فصـول الألم

سأكتب رواية من أربع فصول ، تحكي صيف الصحراء و برودة الشتاء ، و ربيع الأمل ، و سقوط الخريف ، سأعيش لحظات سرتُ فيها عاري القدمين مع قافلة كُتبَ عليها أن يكون شعاع الشمس هو المؤرق الأول لسبايا أبناء رسول الله ( ص ) ، حيث الرياح الجافة الحارقة تلفح وجوههم الطاهرة ، تاركةً خلفها جفافاً لدموعهم و أساهم ، و الأرض تلثم أقدامهم و تحتضن آثارهم ، و أنين الثكالى و بكاء الأطفال يدوي في الصحراء .. تباً لك يا صيف ، ألم يرقّ قلبك ؟ ألم تلمح رماحاً قد عانقت السماء و على سنانها رؤوسها قد شخصت أعينهم ناحية الشمس ، و وجناتهم قد فتحتْ باعها مستعدة لتلقي ضربات الشمس المصهرة ، حمايةً للقافلة اليتيمة ؟؟

هذا الصيف فاتخذوه حذرا


و في سكون الليل و في  سواد الصحراء الذي لا يُرى منه سوى رؤوس أقمار شّع نورها ،  ترى العقيلة زينب عليها السلام رأساً قد هُشّمتْ ملامحه ، تقف ليرتعش جسمها كلما استحضرت منظر كفّين كانتا بمثابة دليل للحيارى ، و خماراً للستر ، كفٌ قبل سويعات  كانت تحمي المخيم من بطشة الجلاوزة ، و الكفّ الأخرى تمنّت عند ذهابها لجلب الماء أن تتجمّع الغيوم و تهطل الأمطار ، و يدخل فصل الشتاء ليغرف منها العباس جربة ماءٍ باردة تروي بها غليل من قد نشُفَ ريقه و اصفرّ لونه ، لكن سرعان ما تلاشت تلك الأماني بسهمٍ قطع كفّ الماء .

هذا الشتاء فاتخذوه مطرا


زينب عليها السلام تلمح معالم الحرية من الأفق ، ظنّت بأن ربيع الحرية سيحلّ عليها ، و تتفتّح يرقات الزهور باعثةً نسيم الأمل ، بأنها ستلاقي جدّها رسول الله ( ص ) ، و هي محتارة من أي أمرٍ ستشكيه ، هل من عيناها التي أبصرت خيلاً قد استصغر جسد أخيها الحسين ( ع ) ، بدلاً من يركب هو الخيل ، رأت الخيل تركب على جسده الطاهر مكسّرةً كل عضوٍ فيه ، غير مكترثةٍ بأصوات تهشّم العظام ؟ أم من أمةٍ تسابقوا على الفوز بوضع أول سهم حارق في عنق طفلٍ لم يُبصر الدنيا بعد ؟
أجب يا جدّي .. و لا جواب لسراب قد تلاشى حين أيقنت أنها في خربات الشام .

هذا الربيع فاتخذوه زهرا

تتساقط كل أوراق خريف الهاشميات ، فور وصولهم للشام ، و دخولهم لقصر الطاغية ابن زياد لعنات الخالق عليه ، الطفلة رقية بنت الحسين ( ع ) ، جمعتْ في هذا الفصل البائس كل الفصول ، رأت حرارة الشمس تصهرها من فوقها ، و قشعريرة الشتاء قد هزّ بدنها من رؤية جراح أبيها الحسين ( ع ) ، و من ورود ربيعٍ لم تهنأ بنموّها إلا و قد بدّدت نيران الظلم جميع أحلام الطفولة و حرقتْ خيامها ، و من خريفٍ سقط به كل سوطٍ على ظهر الأطفال و الخدّر .. لتنتهي الفصول الأربعة بسقوط رأس رقية على رأس أبيها ، معلنةً للعالم إنتهاء كل صيف و شتاء ، و بالربيع و الشتاء إنتهاء ، محطمةً للطغاة كل كبرياء !!

ليست هناك تعليقات: